في رحاب بيت..
وجلدة بين العين والأنف سالم
محمد شبراوي | كاتب صحفي
تسري بعض أبيات الشّعر مسير الأمثال، يردّدها الصّغير والكبير في مواقف شتّى، ربّما لا يحيطون علمًا بقائلها، على طريقه ”يكاد من شهرة اسمه ألا يُسمّى“، غير أنّ التّنقيب يفاجئنا بدرر لم تخطر لنا على بال، ويأخذنا في رحلة ماتعة متعدّدة الفوائد والفرائد، من ذلك أنّها ترفد رصيدنا اللّغويّ، وتعزّز قدرتنا على امتلاك ناصية الكلام وسرعة البديهة، وتربطنا بتراثنا العربيّ لا سيّما في ظلّ العولمة.
على سبيل الذّكر، كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف الثّقفيّ يومًا ”أنت عندي سالم“، فلم يفهم مراد الخليفة، وجمع العلماء ليخبروه بالمعنى المقصود، فلم يصلوا إلى شيء، فقال له قتيبة بن مسلم الباهليّ -وكان راويةً للشّعر، حافظًا له، عالمًا به- إن أخبرتك توليني خراسان، قال نعم، قال: يريد أنّك عنده في أرفع المنازل؛ فسأله الحجاج: ومن أين لك هذا؟ قال قتيبة: أراد قول عبد الله بن عمر في ابنه سالم:
وَجِلْدَةُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ سَالِمُ *** يُدِيرُونَنِي فِي سَالِمٍ وَأُدِيرُهُمْ
كان ذلك هو مراد عبد الملك فعلًا، ووفّى الحجاج بوعده فولّى صاحبه خراسان. وردت هذه القصّة في عدد من كتب التّراث، وأوردها الزّمخشريّ في ربيع الأبرار باقتضاب، وعلى النّقيض أورد العصاميّ في سمط النجوم العوالي القصة بتفاصيل محرجة، وربّما تصل إلى درجة الحشو.
وتختلف الرّوايات، إذ يورد بعضها أنّ قتيبة دخل على الحجّاج وأجابه على أن يتولّى خراسان، وذلك على طريقة قول جرير بن عطيّة لعبد الملك بن مروان:
وَأَنْبَتَّ الْقَوَادِمَ فِي جَنَاحِي *** سَأشْكُرُ إنْ رَدَدْتَ عَلَيَّ رِيشِي
ويصعب أن يفعل قتيبة -أو غيره- ذلك مع الحجّاج، من ثمّ نجد روايات أخرى -منها التّذكرة الحمدونيّة- تقول إنّ قتيبة يومها كان واليًا على خراسان، وإنّ الحجّاج كتب إليه يستفهمه الأمر، ورد قتيبة بما أثلج صدر الحجّاج فثبّته في ولايته.
في كتاب الفاضل، ينفرد أبو العبّاس محمد بن يزيد المبرِّد بأنّ الحجّاج كتب لعمر بن هبيرة الفزاريّ، وليس لقتيبة، إذ يقول: ويُروى أنّ عبد الملك كتب إلى الحجّاج ”بسم الله الرّحمن الرّحيم -أمّا بعد- فإنّك سالمٌ والسّلام“؛ فأشكِل على الحجّاج وأرِق لذلك ليلته، فقال له ابن هبيرة: ما يسهر الأمير؟ فقال: كتابٌ كتبه إليّ أمير المؤمنين فيه كذا، قال: فإنْ أعلمتك معناه فمالي عندك؟ قال: ولاية خراسان، فقرأ عليه الكتاب، فقال ابن هبيرة: أخذه من قول القائل (يديروننى عن سالم وأديرهم)؛ فولّاه خراسان.
ولعلّ المبرِّد توهّم في تسمية عمر بن هبيرة الفزاريّ (أبو المثنّى)، إذ إنّه تولّى خراسان في ولاية يزيد بن عبد الملك بعد سنة 102هـ، وكانت قبله في قبضة مسلمة بن عبد الملك، ما يعني أنّ الحجّاج لم يولّه خراسان مكافأة على معرفته مراد قول عبد الملك. تأسيسًا على ذلك فإنّ الشّخص الّذي أرشد الحجّاج إلى مراد الخليفة هو قتيبة بن مسلم الباهليّ، وليس عمر بن هبيرة الفزاريّ.
ونقل الصّاحب بن عبّاد عن المبرِّد قوله: قلت للعُتبيّ كنت أحبّ أن أعرف موقعي من قلبك، قال ”موقع سالم“.
ولعلّك تسأل: لماذا اختار عبد الملك هذه الكلمات على وجه التّحديد ولم يختر غيرها؟ وما وجه البلاغة في ذلك؟ والجواب أنّ الحجّاج كان يتفاصح على عبد الملك في رسائله، فاختار الخليفة أن يرميه بقوارع القول من آن لآخر، لا سيمّا أنّه -عبد الملك- بدأ حياته يطلب الفقه وينهل من الشّعر، وكان في تصوّر أهله أنّه سيكون فقيهًا، وذلك قبل أن تأتيهم الخلافة، إن طوعًا وإن سعيًا.
إن فتحنا قوسًا على عجالة لقلنا إنّ ماركس لاح لحسين مروّة في النّجف، وهو يطلب العلم الشّرعيّ، وقد بدا شقّ عصا الإسلام لعبد الله القصيميّ وهو يدرس في الأزهر الشّريف، وإنّ قدسيّة المكان لا تنطبع بالضّرورة في الأنفس بالدّرجة ذاتها، وقد لا تنمحي من بعضها، وكلّ ميسّر لما خلق له.
بالعودة إلى ما استطردنا عنه، فإنّ من آكد الأدلّة على ذلك أنّ الخليفة كتب للحجّاج مرّة ”إنّك عندي قِدح ابن مقبل“، فلم يعرف الحجّاج المراد، ثم دخل عليه قتيبة -أو كتب إليه في خراسان- فبشّره أنّ الخليفة يمدحه، وقِدح ابن مقبل يُضرب مثلًا في حسن الأثر، والدّليل قول ابن مقبل يصف قِدحًا له:
مِنْ الْصَّكِّ وَالْتَّقْلِيبِ فِي الْكَفِّ أَفْطَحُ *** غَدَا وَهْوَ مَجْدُولٌ وَرَاحَ كَأَنَّهُ
بَدَا وَالْعُيُونُ الْمُسْتَكِفَّةُ تَلْمَحُ *** خُرُوجٌ مِنْ الْغُمَّى إِذْ صُكَّ صَكَّةً