دُور النشر عند مفترق طرق: إنقاذ عالم الورق أم أفوله؟

6 نوفمبر 2026
دار نبراس
دُور النشر عند مفترق طرق: إنقاذ عالم الورق أم أفوله؟

دُور النشر عند مفترق طرق: إنقاذ عالم الورق أم أفوله؟

واقع سوق الكتاب الروسي


مقال نشرته قناة «مُرشِد الكُتُب» على منصة Dzen الروسية


ترجمة: تحسين رزاق عزيز


لقد غيّرت الثورة الرقمية قواعد اللعبة في عالم النشر تغييراً جذرياً. فبين تقلّص الأرباح وارتفاع التكاليف وتبدّل عادات القراءة، يجد الناشرون أنفسهم أمام تحديات غير مسبوقة. فهل نحن على أعتاب عصر جديد للأدب، أم أمام بداية انحسار الكتاب الورقي؟


يشهد سوق الكتاب الروسي في عام 2026 تحوّلات عميقة فرضتها الظروف الاقتصادية المستجدة، والتوسع المتسارع للتقنيات الرقمية، والتغيرات الواضحة في سلوك القرّاء. وهذه التحولات لا تمسّ صناعة النشر وحدها، وتمتد إلى بنية ثقافة القراءة ذاتها وإلى العلاقة بين القارئ والكتاب.


أبرز اتجاهات سوق الكتاب الروسي:


ارتفاع أسعار الكتب الورقية

يُعَدّ ارتفاع أسعار الكتب من أكثر الظواهر وضوحاً في السوق الحالية. فبحسب بيانات رابطة موزّعي الكتب ومجلة «صناعة الكتاب»، بلغ متوسط سعر الكتاب في النصف الأول من عام 2025 نحو 515.85 روبلاً، بزيادة قدرها 7.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. ويرتبط هذا الارتفاع أساساً بزيادة تكاليف الإنتاج والنقل نتيجة التضخم والأوضاع الاقتصادية العالمية.


تحول في بنية الطلب

تشير الإحصاءات إلى تغيّر ملحوظ في ذائقة القرّاء واتجاهات الشراء. فقد حققت الرواية والأدب الإبداعي نمواً بنسبة 6.4%، في حين شهد قطاع الكتب التعليمية تراجعاً حاداً بلغ 19.8%. ويُعزى ذلك جزئياً إلى انخفاض القدرة الشرائية للسكان، وإلى اتجاه المؤسسات التعليمية نحو المواد الرقمية.

أدب الأطفال ما زال يحتفظ بمكانته المهمة، رغم انخفاض عدد النسخ المباعة بنسبة 8.5%، إذ لا يزال يشكّل ما يقارب 21.2% من إجمالي مبيعات الكتب.


الحضور المتزايد للتقنيات الرقمية

تواصل المنصات الرقمية توسيع نفوذها داخل السوق الروسية. فالكتب الإلكترونية والكتب الصوتية وخدمات الاشتراك أصبحت ركائز أساسية في الصناعة الحديثة. وعلى الرغم من استمرار ولاء شريحة واسعة من القرّاء للكتاب الورقي، فإنّ الأجيال الشابة وسكان المدن الكبرى يتجهون باطراد نحو الأشكال الرقمية للقراءة.

وقد اكتسبت خدمات مثل «ماي بوك» (MyBook) و«ليت ريس» (ЛитРес) شعبية كبيرة بفضل سهولة الوصول إلى المحتوى وتنوّع العروض المتاحة.


انتشار الطباعة عند الطلب

من الظواهر اللافتة أيضاً التوسع الكبير في نموذج «الطباعة حسب الطلب». وتتيح هذه التقنية للناشرين الصغار وللكتّاب المستقلين تقليص تكاليف التخزين والطباعة التقليدية، مع توفير إمكانية الحصول على الكتب النادرة أو ذات التوزيع المحدود.

وقد أسهم هذا النموذج في إثراء التنوع المعروض في السوق وإتاحة فرص جديدة للأدب المتخصص والمشروعات الثقافية الصغيرة.

التكامل مع وسائل التواصل الاجتماعي

أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة أدوات أساسية في تسويق الكتب. وتعتمد دور النشر الروسية بصورة متزايدة على منصات مثل VK وتليغرام وإنستغرام للوصول المباشر إلى القرّاء وبناء مجتمعات مهتمة بالإصدارات الجديدة.

كما باتت الندوات الإلكترونية والحوارات المباشرة والمسابقات التفاعلية وسائل فعالة لإثارة الاهتمام بالكتب الجديدة وتحفيز التفاعل بين القرّاء.


التحديات التي تواجه سوق الكتاب الروسي

مع ارتفاع مظاهر التحديث والتجديد، يواجه قطاع النشر مجموعة من المشكلات البنيوية:

    • الاعتماد المرتفع على الأسواق العالمية للمواد الخام، وما يرافقه من تأثيرات تقلبات أسعار الصرف وارتفاع أسعار المستوردات.
    • غياب الوضوح التشريعي الكافي في بعض قضايا الملكية الفكرية، الأمر الذي يضعف حماية المؤلفين وأصحاب الحقوق ويُبقي المجال مفتوحاً أمام القرصنة والتزوير.
    • التوسع المتواصل في المبيعات الإلكترونية، الذي يمنح الصناعة قنوات توزيع جديدة، لكنه يضغط في الوقت نفسه على المكتبات التقليدية ويقلّص هامش أرباحها.


عوامل تبعث على التفاؤل

في المقابل، توجد مؤشرات إيجابية قد تساعد الصناعة على تجاوز أزمتها:

    • تزايد اهتمام القرّاء بالمؤلفين الروس، ولا سيما في مجالي الرواية المعاصرة والأدب التاريخي.
    • تعميق التعاون بين دور النشر والمؤسسات التعليمية.
    • تصاعد دور البرامج الحكومية الهادفة إلى دعم الثقافة وتشجيع القراءة والتعريف بالكتاب الروسي.


وعليه فإنّ سوق الكتاب الروسي يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكّل شاملة، تتطلب توازناً دقيقاً بين المحافظة على تقاليد النشر العريقة والانفتاح على الابتكار.


هل يمكن تحقيق هذا التوازن؟

تقول سفيتلانا زورينا، رئيسة تحرير مجلة «صناعة الكتاب» ورئيسة رابطة موزّعي الكتب:

«بلغ الحجم الإجمالي لقطاع الكتاب، بما يشمل الكتاب المطبوع والسوق الرقمية والمبيعات الممولة من الميزانية، 135.21 مليار روبل في عام 2024. وقد نما السوق بنسبة 10.6% بالقيمة النقدية، وهي نسبة تكاد تعادل مستوى التضخم. أما المؤشر الأهم بالنسبة لنا، وهو عدد النسخ المباعة، فلم يتجاوز نموه 0.4%». تشير هذه الأرقام إلى أن نمو السوق لا يعني بالضرورة زيادة فعلية في عدد القرّاء، بل يعكس إلى حدّ كبير ارتفاع الأسعار.


أما أليكسي إيلين، المدير العام لمجموعة «ألبينا» للنشر، فيرى أنّ الأزمة الأساس تكمن في تراجع الأرباح:

«المشكلة الرئيسة التي تواجه دور النشر في روسيا والعالم هي انخفاض مردودية الأعمال والهبوط الحاد في الأرباح. والسبب هو الارتفاع السريع للنفقات التشغيلية على جميع المستويات. وأنّ المنافسة على الكفاءات البشرية تدفع الشركات إلى رفع الأجور باستمرار، بينما ترتفع تكاليف الإيجارات والخدمات بوتيرة فلكية. ولهذا تلجأ دور النشر إلى استراتيجيات جديدة، من بينها الاندماج والاستحواذ والتعاون المؤسسي، والاستفادة المكثفة من تقنية الطباعة عند الطلب، واستخدام الذكاء الاصطناعي، وإنتاج إصدارات خاصة موجهة لقنوات البيع التقليدية».


وتؤكد داريا أنجيلو، مديرة التسويق في خدمة «ياندكس للكتب»، على أنّ مستقبل الصناعة يقوم على التكامل بين الصيغ المختلفة للكتاب:

«53% من القرّاء يجمعون بين جميع أشكال القراءة، ولذلك من المهم مزامنة الإصدارات وإطلاق الكتاب في الوقت نفسه ورقياً وإلكترونياً وصوتياً. وهذا كله يصب في صالح الصناعة، لأنه يوسع قاعدة القرّاء ويزيد من حجم المبيعات. وأنّ التعاون بين دور النشر والمنصات الرقمية لا يهدد القراءة، بل يسهم في جذب فئات جديدة إليها، ويعيد تقديم الكتاب بوصفه مصدراً للمتعة والمعرفة وتنمية الخيال».