أديب نوبل جوزيف برودسكي يكتب: في مديح الملل
أحمد الزناتي | كاتب ومترجم
في صيف عام 1989، وبعد عامين من حصوله على جائزة نوبل في الأدب، ألقى الشاعر والكاتب الروسي الكبير جوزيف برودسكي خطاباً أمام خريجي كلية "دارتموث". صِيغ هذا الخطاب لاحقاً في هيئة مقالة نُشرت بعد وفاته ضمن مجموعة "عن الحزن والعقل"، تحت عنوان "في مديح الملل".
يقول برودسكي:
يتغلغل الملل في صميم الحياة الإنسانية؛ فعاداتنا وأنماط سلوكنا القائمة على التكرار هي التي تمنح أيامنا قوامها وهويتها، لكنها قد تتحول أيضاً إلى سجن حين يفقد هذا التكرار قدرته على بث الحيوية في أرواحنا. ولهذا أقول: حين يداهمكم الملل، فلا تفرّوا منه؛ دعوه يسحقكم، وانغمسوا في أعماقه حتى تبلغوا القاع؛ فمع معظم الأمور المكروهة، كلما بلغتم القاع أسرع، خرجتم منه أسرع. المطلوب هو مواجهة أسوأ ما في الأمر مواجهةً تامة؛ فالملل يستحق تأملاً عميقاً لأنه يكشف الزمن في صورته الخالصة، بكل ما فيه من تكرارٍ واجترارٍ ورتابة. الملل، بمعنى ما، هو نافذتكم على الزمن، وعلى خصائص فيه نميل إلى إغفالها، معرضين بذلك اتزاننا النفسي للخطر.
وخلاصة الأمر أن الملل نافذتكم على لا نهائية الزمن، أي على ضآلة شأنكم فيه. ولعل هذا ما يفسر شعورنا بالرهبة في الأمسيات الطويلة الخاملة التي نقضيها وحدنا، وما يفسر افتتاننا أحياناً بمراقبة ذرة غبارٍ تدور في شعاع شمسٍ بينما تدق ساعةٌ في مكانٍ ما. إذا انفتحت هذه النافذة، فلا تحاولوا إغلاقها؛ بل افتحوها على مصراعيها.
فالملل يتحدث بلغة الزمن، ويحمل إليكم أثمن درسٍ في حياتكم، درساً لم تتعلموه في هذه المروج الخضراء: أنكم ضئيلو الشأن إلى أبعد حد. وهو درسٌ ينفعكم وينفع من ستخالطونهم في حياتكم. "أنتم زائلون"، يقول لكم الزمن بصوت الملل، "وكل ما تفعلونه عبثٌ لا جدوى منه من وجهة نظري".
قد لا يسرّكم سماع هذا، لكن الإحساس بعبثية الأمور ومحدودية أثر أفعالكم -حتى أفضلها وأكثرها حماسةً- خيرٌ من الوهم بعظمة نتائجها وما يصاحبه من تضخم الذات. فالملل اقتحامٌ للزمن في منظومة قيمكم؛ إذ يضع وجودكم في منظوره الصحيح، فتكون المحصلة وضوح الرؤية والتواضع. وجدير بالملاحظة أن الأول يفضي إلى الثاني؛ فكلما أدركتم حقيقة حجمكم، ازددتم تواضعاً ورحمةً بأمثالكم، وبذرات الغبار التي تدور في شعاع الشمس أو تستقر ساكنةً فوق مائدتكم. آه، كم من الحياة تنطوي عليها تلك الذرات! لا من وجهة نظركم، بل من وجهة نظرها هي.
أنتم بالنسبة إلى ذرات الغبار كالزمن بالنسبة إليكم؛ ولهذا تبدو لكم صغيرةً إلى هذا الحد. أتدرون ماذا تقول ذرة الغبار حين تُمسح عن المائدة؟ تقول: تذكّرني (Remember me).
لا شيء أبعد عن أذهانكم -أيها الشباب الذين لم تألفوا مثل هذه الأفكار- من المعنى الذي تعبّر عنه هاتان الكلمتان للشاعر الألماني الراحل بيتر هوخل. لم أقتبسهما لأغرس في نفوسكم محبة الأشياء الصغيرة، كالبذور والنباتات وحبات الرمل والبعوض؛ بل اقتبستهما لأنني أحبهما، ولأنني أرى نفسي فيهما، وأرى فيهما أيضاً كل كائنٍ حيٍ معرّضٍ لأن يُمحى عن سطح ما.
"تذكّرني"، هكذا تهمس ذرة الغبار. ولعلنا نفهم من هذا الهمس أنه إذا كان الزمن يعلّمنا شيئاً عن أنفسنا، فربما كان في وسعنا نحن أيضاً أن نعلّم الزمن شيئاً. وما ذلك الشيء؟ أننا، وإن كنا أقل شأناً، نفوقه حساسيةً.
يمكنكم أيضاً قراءة الروايات البوليسية أو مشاهدة أفلام الحركة؛ إلى شيء يأخذكم، بالكلمة أو الصورة أو الفكر، إلى أرض لم تطأها أذهانكم من قبل، ويشغلكم بها ولو لساعتين. تجنبوا التلفاز، ولا سيما التنقل المستمر بين القنوات؛ فهو التكرار في أبهى صوره. وإذا أخفقت هذه الوسائل في صرف انتباهكم، فأفسحوا للملل مجالاً، "وألقوا أرواحكم في أحضان الظلمة المتكاثفة".
حاولوا أن تعانقوا الملل والكرب، أو دعوهما يعانقانكم؛ فهما -على أية حال- أكبر منكم. ولا شك أن هذا العناق سيطبق على صدوركم، لكن حاولوا احتماله أطول فترة ممكنة، ثم أطول قليلاً. والأهم ألا تظنوا أنكم أخطأتم في مكان ما من الطريق، وألا تحاولوا الرجوع على خطاكم لتصحيح المسار.