بين الموت وتحولات السلطة
سامي هداية | مترجم وكاتب
عرف البشر ثنائية الميلاد والموت بصورتها البيولوجية منذ بدء الخلق بوصفهما لحظتي البدء والختام لرحلة حياة تتقاطع مع نهر الزمن المتدفق. ومن المنظور الديني كان الميلاد والموت مسألة قدرية وغيبية تتجاوز علم الإنسان وحدود إدراكه. وواصلت الثنائية رحلتها إلى أن تجاوزت حدودها البيولوجية إلى فضاء رمزي أوسع يحمل دلالات متباينة، فأصبحت العلاقة بين الميلاد والموت هي علاقة بين مولد فكرة وانتهاء أخرى. وانتقل معها كذلك كل ما يرتبط بالثنائية من تصورات مفاهيمية وفلسفية وأيديولوجية، وإن اتسعت وضاقت حسب المجال المعرفي الذي يستعير رمزيتها.
وشغل الموت تحديداً حيزاً وظيفياً في المذاهب الفكرية والمجالات المعرفية بالنظر إليه على أنّه إعلان انتهاء أثر أو انتقال وظيفي أو إزاحة مقصودة أو حتى على سبيل الإحلال والإبدال. وبهذا لم يعد الموت لحظة قطعية تعلن الفناء وانتهاء الوجود، وإنّما لحظة ميلاد لم يُعلن عنها بعد أو مرحلة انتقالية تمهد لسلطة جديدة لم تبدأ بعد.
انشغل الفكر الغربي بمسألة الموت بمفهومها الرمزي منذ زمن بعيد. بدأها نيتشه فلسفياً منذ نحو قرن ونصف بمفهوم موت الإله في كتابه "العلم المرح" الصادر عام 1882. لم يعلن نيتشه موت الإله لاهوتياً، بل كان يرمي إلى انهيار المرجعية المطلقة التي كانت تمنح الإنسان الأوروبي يقينه الأخلاقي والمعرفي. لقد مات الإله بوصفه مركزاً لسلطة المعنى، لا بوصفه موضوعاً للإيمان. ومنذ تلك اللحظة دخل الفكر الغربي عهداً جديداً من البحث عن مصادر بديلة للحقيقة ومراكز جديدة للسلطة والمعرفة. وبذلك حمّل نيتشه الإنسان الحديث مسؤولية انهيار المرجعية الدينية التقليدية التي لم تعد قادرة على أداء دورها السابق في تأسيس القيم والمعنى.
وشهد النقد الأدبي جدلاً واسعاً في مسألة الموت بمفهومها الرمزي أثاره رولان بارت بطرح نظرية موت المؤلف في مقاله الذي يحمل العنوان نفسه ونشره في 1967. كان المؤلف هو المرجع الأساسي لفهم النص وتأويله قبل أن يطرح بارت حجته بأن المؤلف ’ يموت‘ لحظة خروج نصه إلى الحياة. أي أن ميلاد النص هو إعلان موت المؤلف، وبهذا يستبدل بارت سلطة المؤلف بسلطة القارئ في انتاج دلالات النص. وبتعدد القراءات يدور النص الواحد في فضاءات تأويلية قد تتشابه أو تختلف تماماً فيما بينها.
وبعد أربعين عاماً، أعلن رونان ماكدونالد عن ’موت الناقد‘ في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه والصادر في عام 2007 وفيه إشارة رمزية لفقد الناقد الأكاديمي التقليدي سلطته ومكانته بوصفه مرجعًا مركزيًا في توجيه قراءة النصوص وتقييمها بتوظيف التجريد والنظريات الأكاديمية في النقد الأدبي. وأرجع ماكدونالد التحولات التي طرأت على النقد الأدبي إلى انتشار ثقافة الإنترنت التي يرى أنها لا تقدم نقداً منهجياً موضوعياً للنص، ودعا إلى استعادة النقد ’التقييمي‘ بمعنى الاهتمام بالقيمة الجمالية للنص عوضاً عن النقد الأكاديمي الجامد والتأويل الفردي الانطباعي.
واليوم يتكرر المشهد نفسه مع بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي، وما يثيره من جدل عن ’الموت الوظيفي‘ وتبدل الأدوار في مجالات متعددة. ورغم صعوبة إصدار حكم نهائي في الوقت الراهن، فإن ضبابية المستقبل تزيد مخاوف كثير من الناس. والحقيقة أن هذه الهواجس ليست جديدة، بل هي نمطٌ متكرر يرافق كل طفرة تقنية؛ فقد شهدنا المخاوف ذاتها مع ظهور الآلة الصناعية، ثم الحاسب الآلي، فالإنترنت، وصولاً إلى نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وهكذا، لا يبدو أن الموت في سياق التحولات الفكرية والمعرفية نهاية مطلقة بقدر ما يكشف عن تبدّل في مراكز السلطة وإعادة توزيع أدوارها. فكما ارتبط موت الإله بأزمة المرجعيات التقليدية، وموت المؤلف بتحول سلطة المعنى من قصد الكاتب إلى تعدد القراءات، وموت الناقد بإعادة النظر في موقعه بوصفه وسيطًا بين النص والقارئ، يطرح الذكاء الاصطناعي اليوم أسئلة جديدة حول مستقبل الوظائف الإنسانية وحدود الأدوار التي ظل الإنسان يحتكرها طويلًا. وسيظل الانسان رهن السعي إلى فهم ما الذي سيولد من رحم هذه التحولات، وكيف ستُعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والمعرفة والسلطة.