أخلاقيات النشر الرقمي.. ما وراء جواز النشر
محمد بن سلعان المري | إعلامي قطري
عندما تصل إلى منصة إخبارية أو صاحب حساب يتابعها لآلاف صورة مؤلمة أو معلومة تمس حياة شخص، يتقدم سؤال النشر بوصفه قراراً تتداخل فيه اعتبارات متعددة، من صحة المادة وقيمتها إلى أثرها على أصحابها. وفي غمرة السباق على المشاهدات والسبق، قد يختصر التفكير في سؤال: هل أستطيعنشرها؟ فيما يبقى السؤال الأهم: هل ينبغي أن أنشرها، وما المصلحة التي يحققها ذلك؟
وهنا تظهر أهمية أخلاقيات النشر إلى جانب القانون، خصوصاً مع اتساع المنصات الرقمية وتحول كثير من الحسابات الشخصية إلى مصادر للأخبار والمعلومات. فصاحب الحساب الذي يتابعه عشرات الآلاف، وينشر خبراً أو صورة فتصل خلال دقائق إلى جمهور واسع، لم يعد أثر ما ينشره شأناً شخصياً خالصاً، بل أصبح يتحمل قدراً من المسؤولية يتناسب مع حجم تأثيره وانتشار محتواه.
وقد يجد أمامه أسماء وصوراً وتفاصيل عن حادث أو قضية اجتماعية سبقه آخرون إلى تداولها، فيعيد نشرها طلباً للسبق أو المشاهدات. وهنا ينبغي أن يسأل: ماذا تضيف صورة المصاب أو هوية الطفل أو مشهد شخص في لحظة انهياره إلى فهم الناس للحدث؟ فكون الصورة متداولة لا يعفي من مسؤولية إعادة نشرها، وكثرة من نشروها لا تجعلها أكثر صواباً، ولا تحول الألم الإنساني إلى محتوى مباح لجذب التفاعل.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما يتحول السبق إلى منافسة بين الحسابات؛ فيُنشر خبر قبل اكتمال معلوماته، أو عنوان قبل التحقق من تفاصيله، أو مقطع مجتزأ من سياقه. وقد يحصد المنشور آلاف المشاهدات خلال دقائق، ثم يظهر لاحقاً أن المعلومة ناقصة أو غير صحيحة، لكن التصحيح غالباً لا يصل إلى الجمهور نفسه الذي وصل إليه الخبر الأول.
غير أن المسؤولية لا تعني الامتناع عن نشر ما يتصل بالمصلحة العامة، وإنما تعني التحقق، وفهم السياق، والتمييز بينما يحتاج الناس إلى معرفته وما لا يضيف سوى الإثارة. فالخبر الذي يكشف تقصيراً أو يحذر من خطر يختلف عن نشر تفاصيل الحياة الخاصة أو صور الضحايا لمجرد أنها تجذب المشاهدات.
وفي فضائنا الرقمي، نحن بحاجة إلى أن ندرك أن المسؤولية لم تعد مقتصرة على غرف الأخبار. فكل منصة إخبارية، وكل صاحب حساب ذي تأثير ونشاط واسع، أصبح شريكاً في تشكيل معرفة الناس بما يحدث حولهم.
لذلك، قبل أن نضغط زر «نشر»، ربما لا يكفي أن نسأل: هل الخبر صحيح؟ بل علينا أن نسأل أيضاً: هل نشره بهذه الصورة ضروري؟ وماذا سيضيف؟ ومن قد يتضرر منه؟ فالمشاهدات تنتهي بانتهاء موجة التفاعل، أما أثر ما ننشره في حياة الناس فقد يبقى أطول بكثير.