لماذا أحبّ هيرمان هِسّه؟

19 أكتوبر 2026
دار نبراس
لماذا أحبّ هيرمان هِسّه؟

لماذا أحبّ هيرمان هِسّه؟

حين تصبح الرواية رحلةً إلى الداخل


إقبال عبيد ، كاتبة ومترجمة


لا أظن أن سرّ هيرمان هِسّه يكمن في أنه يكتب عن إنسانٍ يبحث عن ذاته. هناك كتّاب كثيرون فعلوا ذلك. سرّه، في رأيي، أنه يجعلنا نشعر ونحن نقرأه بأننا نحن الذين نبحث. بعض الكتّاب يحكون لنا حكايات الآخرين، ونصغي إليها كما نصغي إلى جارٍ يروي ما جرى له. وبعضهم يتركوننا، من غير أن ننتبه، أمام حكايتنا نحن. وهِسّه من هؤلاء. نفتح روايته ونحن نتوقع شخصية أو فكرة أو مصيراً، ثم نلحظ في منتصف الطريق أن شيئاً ما تغيّر: لم نعد نقرأ عن غريب، بل عن وحدتنا، وعن أسئلتنا التي أجّلناها سنوات، وعن ذلك الجزء الذي دفنّاه في أنفسنا كي يقبلنا الناس. أذكر أنني قرأت أول مرة وأنا أظن أنني أطالع قصة عن فتى في مدرسة داخلية، ثم وجدتني أضع الكتاب جانباً لأنني لم أعد أحتمل مواجهة نفسي في صفحاته.


لم يكن هِسّه فيلسوفاً بالمعنى الأكاديمي، ولم يدّعِ ذلك. لم يبنِ نسقاً ولم يضع مصطلحات. لكنه امتلك قدرة نادرة على تحويل الفلسفة إلى تجربة تُعاش. في «دميان» لا يأتي النضج انتقالاً مطمئناً من الطفولة إلى الرشد، كما تصوّره الكتب المدرسية. إنه انفصال مؤلم عن الموروث، عن العالم «المضيء» الذي رتّبه الأهل والمدرسة والكنيسة، واكتشاف مُربك لعالم آخر لا تنقسم فيه النفس بسهولة إلى خير خالص وشر خالص. يكتشف سنكلير أن ما خافه في نفسه ليس بالضرورة عدواً، وأن ما أُمر بالتمسك به ليس بالضرورة حقيقته.


وفي «سدهارتا» لا تُمنح الحكمة مكافأةً لمن جمع المعارف وحفظ النصوص وجالس المعلّمين. سدهارتا يترك كل ذلك، ويخطئ، ويتورط في الشهوة والمال والملل، ثم يعود إلى النهر ليتعلم منه. الرسالة هنا بسيطة وقاسية معاً: الحكمة ثمرة حياة لا يستطيع أحد أن يعيشها نيابةً عنك. يمكن لغيرك أن يدلّك على الطريق، لكنه لا يستطيع أن يمشيه بقدميك.


أما «ذئب البراري» فيذهب أبعد من ذلك كله، وربما كان أكثر كتبه إقلاقاً. فهو يزعزع الوهم الذي نتشبث به: أننا كائنات متماسكة، لكل منا هوية واحدة وصوت داخلي واحد لا يناقض نفسه. هاري هالر ينقسم بين الإنسان المهذّب والذئب الجامح، ثم يكتشف أن هذين ليسا إلا قطبين من آلاف الأقطاب. وحين نقرأ ذلك لا نشعر أننا أمام شخصية مريضة، بل أمام مرآة تعكس تناقضاتنا اليومية، ذلك الذي يبتسم في الاجتماع ويتمنى لو يختفي، والذي يحب الناس ويهرب منهم في اللحظة نفسها.


الإنسان عند هِسّه ليس إجابة مكتملة نصل إليها فنرتاح. هو مشروع اكتشاف لا ينتهي، وربما كان هذا بالضبط ما يجعل قراءته أقرب إلى الصحبة منها إلى الدرس.


وتكمن فرادته الروائية في أنه لا يحمّل شخصياته أفكاره الفلسفية فتتحدث كأنها فصول من كتاب نظري. هو يختبر هذه الأفكار على أناسٍ يتعثرون ويعتزلون ويخطئون ويتمردون، ثم يدفعون ثمن ما اختاروه. أبطاله لا يصلون إلى ذواتهم عبر طريق مستقيم. كثيراً ما يحتاجون إلى أن يضيعوا أولاً، لأن بعض الأشياء لا تُرى من داخل الحياة المألوفة مهما أمعنّا النظر. سنكلير لم يكن ليرى عالمه الآخر لو بقي في بيت أبيه الآمن، وسدهارتا لم يكن ليفهم النهر لو لم يجرّب القصور والأسواق قبله. وفي هذا المزج تلتقي الرواية بالفلسفة وعلم النفس: نيتشه حاضر في الخلفية، والتأمل الشرقي حاضر في الخلفية الأخرى، ومعهما اهتمام دائم بما يجري في أعماق النفس حين تتحول. الفكرة عنده ليست زينة تُعلَّق على الحكاية. هي قوة تدفع الشخصية إلى أن تتغير، وتدفعنا نحن إلى أن نعيد النظر في حياتنا.


غير أن هِسّه لا ينبغي أن يُقرأ بلا مساءلة، وهذا من حقه علينا. فقد رأى بعض النقاد في أدبه ميلاً إلى تمجيد الذات المنعزلة أكثر مما يلزم، وإلى معاملة التمرد الداخلي كأنه فضيلة بذاته. والملاحظة وجيهة، ولا أستطيع تجاهلها. فالإنسان لا يعرف نفسه بالانسحاب من العالم وحده، بل يعرفها أيضاً حين يصطدم بالآخرين ويحتكّ بهم ويتعلم منهم. ومع ذلك، فهذا التوتر بالذات هو ما يبقي أدبه حيّاً في النقاش بعد قرن من كتابته. سؤاله ما زال مفتوحاً: هل نحتاج إلى الابتعاد عن المجتمع لنكون أنفسنا، أم أن التحدي الحقيقي هو أن نتعلم العيش بين الناس دون أن نفقد أنفسنا فيهم؟


ولعل هذا ما يفسّر عودة قرّاء هِسّه إليه مراراً. هم في الحقيقة لا يعودون إلى الكتاب نفسه، بل إلى أنفسهم وقد تغيّرت. من قرأ «سدهارتا» في العشرين ثم أعاد قراءتها في الأربعين يعرف هذا الإحساس: الصفحات هي هي، لكن النهر صار يقول شيئاً آخر. وتشير دراسات تلقّي أعماله إلى موجات متعاقبة من الشعبية ارتبطت بأزمنة الأزمات والتحولات الاجتماعية، بدءاً من سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى ستينيات القرن العشرين حين تبنّاه جيل كامل من الشباب الباحثين عن بديل لما ورثوه. وفي كل مرة، وجد قرّاء من أجيال وثقافات مختلفة في رواياته لغةً تسمّي الاغتراب والبحث عن المعنى والضيق من الامتثال، وهي أشياء يصعب أن نسمّيها بأنفسنا.


أما لماذا أحبّه أنا، لو طُلب مني أن أختصر علاقتي بأدبه في فكرة واحدة، فلأنه لا يطالبني بأن أكون على وفاق مع نفسي طوال الوقت. عنده تجد تناقضاتي مكاناً تظهر فيه دون اعتذار، وتبقى أسئلتي معلّقة دون أن يُلزمني أحد بإغلاقها. هو لا يبيعني وصفة للسعادة، ولا يَعِد بأن معرفة الذات ستجعل الأيام أخفّ. كل ما يفعله أنه يذكّرني، بهدوء، بأن الصدق مع النفس قد يكون طريقاً شاقاً، لكنه يبقى أصدق من حياة كاملة المظهر نعيشها كما أرادها الآخرون.


هِسّه لا يمنحنا حياة أخرى نهرب إليها. يردّنا إلى حياتنا نفسها، لكننا ننظر إليها بعينين مختلفتين. ولهذا ربما لا تنتهي علاقتنا به عند الصفحة الأخيرة. نغلق الكتاب ونمضي إلى يومنا، وحين تتبدل أسئلتنا نعود إليه. لا لأنه يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا، بل لأنه يعلّمنا كيف نصغي إلى ما لم نجد بعدُ الكلمات لقوله.