جين أوستن ما بين الاستدعاء والاحتفاء

21 أكتوبر 2026
دار نبراس
جين أوستن ما بين الاستدعاء والاحتفاء

جين أوستن ما بين الاستدعاء والاحتفاء



شمّة شاهين الكواري | باحثة وروائية قطرية



تحتفي مدينة باث البريطانية بمهرجان الروائية البريطانية جين أوستن السنوي الذي يجمع محبي أعمالها، ويمتدّ عشرة أيام في شهر سبتمبر. يبدأ الاحتفال بموكب تستعرض فيه الأزياء التاريخية، ويتضمن جولات ثقافية ولقاءات أدبية وندوات وعروض مسرحية، مستوحاة من أعمالها.


هذا الاحتفاء جعلني استدعي الظروف التي كتبت أوستن فيها أعمالها والتي عبّرت عنها فرجينيا وولف في كتابها: غرفة تخصّ المرء وحده. وترى وولف أن المرأة لتتمكن من الكتابة بحرية تحتاج لاكتفاء مادي ومكان خاص، وهو ما لم يكن متاحًا للكاتبات، وكتبت أوستن في غرفة جلوس مشتركة مع أسرتها، إذ لم تمتلك حجرة مكتب تنصرف فيها للكتابة بعيدًا عن المقاطعة ومناقشة شؤون الحياة اليومية.


الآن، فيما تستحضر شوارع باث أزياء وأجواء أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، التي صوّرتها أوستن في رواياتها، فإن هذا الاحتفاء دليل يوثق قدرة الأدب على إبقاء ذاكرة الناس والأمكنة والعصور حيّة، وتحويله إلى أثر ثقافي وإنساني خالد.


والمؤثر في كل ذلك، أن أوستن التي يتوافد محبيها ومعجبيها من كل العالم إلى مدينة باث للمشاركة في المهرجان السنوي، لم تنل في حياتها ما تستحق من تقدير وشهرة، لأسباب كثيرة يصعب حصرها. وعلى الرغم من الأثر الذي تركته رواياتها وأشهرها: كبرياء وهوى، والعقل والعاطفة، وإيما، فإنها لم تشهد المكانة الواسعة التي بلغتها أعمالها لاحقًا، ولم تدرك الانتشار العالمي الذي حظيت به بين أجيال القرّاء.


أوستن نشرت رواياتها في حياتها دون التصريح باسمها، وصدرت روايتها الأولى منسوبة إلى: سيدة، ونسبت الروايات اللاحقة لمؤلفة الأعمال السابقة! ظلّ اسمها غائبًا عن أغلفتها. توفّيت العام 1817، ولم تشهد اتساع حضورها في وجدان القرّاء.


بعد وفاتها، أسهم ابن أخيها، جيمس إدوارد أوستن، في إعادة تقديمها للجمهور من خلال السيرة التي كتبها عنها، والتي نشرت عقب أكثر من خمسين عامًا من وفاتها. هذه السيرة أسهمت في تنامي الاهتمام بحياتها وأدبها، ثم توالت القراءات النقدية والدراسات الأكاديمية في أعادت اكتشاف عمق تجربتها وترسيخ مكانتها وغدت رواياتها من أشهر الكلاسيكيات في تاريخ الأدب العالمي.


وأكاد أجزم أن جين أوستن من الكاتبات اللواتي مهّدن لترسيخ الكتابة الروائية النسائية الرقيقة، ضمن مسار أدبي اتّسع بتجارب متميزة بدءًا من شارلوت برونتي وصولًا إلى جيل مثّلته الكاتبة الشهيرة فرجينيا وولف. صحيح أن لكل واحدة منهن صوتها وعالمها الخاص وإضافتها المميزة في فن الرواية، إلا أنه لا يمكن إنكار فضل الرائدات الأُوائل وتمهيد الطريق لمن قدمن بعدهن، وتطوير حضور المرأة في الأدب، واعتبارها كاتبةً ذات شخصيةً وصاحبة رؤية مستقلة.


والخلاصة؛ أؤمن أن كل من كتب واجتهد وترك أثرًا، يستحق أن تتاح له فرصة التعريف به وتقديره وتكريمه في حياته، قبل أن يتحول لذكرى ماضوية تستدعيه الأزياء التراثية والاحتفالات في المهرجانات.